السيد محمد بن علي الطباطبائي

662

المناهل

غليان طعام الزبيبة مستلزم لغليان ما فيه من الزبيب وغليان الزبيب يقتضى تحريمه على القول بتحريم العصير الزبيبي وبتحريمه تحريم الزبيبة لان غليانه فيها لا ينفك عن انفصال شيء منه وان قل فيحرم الجميع بالاختلاط والمزج ولو قيل بالنّجاسة فيه تبعا للحرمة لزم نجاسة الزبيبة وحرمته من بين الاجزاء مع بعده في نفسه غاية البعد خلاف ما دلت عليه الرّواية لاقتضائها حلّ الزبيبة بجيمع اجزائها فامّا ان يحل الجميع أو يحرم الجميع والثّاني خلاف النصّ فتعيّن الأوّل وفيه انّ تحريم الزبيب بالغليان فرع تحريم العنب إذا غلا في حبّه والحكم في الأصل ممنوع لمنع لزومه من تحريم العصير كما نص عليه جماعة من الأصحاب ولو سلم تحريمه فذلك لا يستلزم تحريم الزبيب للأصل وفقد الدّليل الناقل عنه الا ان يتمسّك فيه باستصحاب حكم العنب فيندفع بالنصّ ولا يلزم منه حلية العصير لخروجه عنه ولو حرم الزبيب بالغليان فانّما يحرم لو انتفع في الماء حتّى يربو ثم غلا مائه في حبّه كالعنب وقلَّما يحصل العلم بذلك في طعام الزبيبة فانّ الزبيب يلقى فيها جافا وغليانه فيها تبعا للماء لا يوجب التّحريم قطعا والا لحرم بمجرّد الالقاء قبل ان يتشرب شيئا من الماء وغليان ماء الزبيب في حبّه يستدعى زمانا ولا يعلم مضيه في الزبيبة والأصل عدمه وربما يوجد حبّات الزبيب في الزبيبة غير رابية بعده والغليان متاخّر عن ربوها وانتعاشها والامر في هذا يختلف اختلافا بيّنا باختلاف زمان الالقاء فلو القى الزبيب قريبا من الصّب لم يلزم المحذور قطعا وبالجملة فالرواية مجملة الدّلالة وهى مع ذلك غير نقية السّند بل ضعيفة كما عرفت فلا يصلح التّمسك بها في مقابلة ما مضى من الأدلة وقد يقال انّ الظاهر أن مبنى استدلال الشهيد قدس سرّه بهذه الرواية على المدّعى على ما نبّه عليه في آخر الوجه الأوّل بقوله نعم لو ثبت انّ المعمول في تلك الأزمنة من عصير غير مطبوخ على الثّلث صحّ ذلك وانّى لهم بذلك ولعلَّه اطلع على ذلك بتواتر أو احاد محفوفة بقرائن تفيد القطع أو بغير ذلك وعدم ثبوت ذلك عندنا لا يوجب تضعيف استدلاله إذ ليس لمن لا يعلم حجّة على من يعلم وقد يجعل استدلاله بالرواية هنا بمنزلة اخباره بالمتداول في تلك الأزمنة وتفسيره للزبيبة فيجب قبوله لأصالة حجيّة خبر العدل وهى مستندة إلى مفهوم اية النبأ بناء على ما يستفاد من المعظم من كونه أصلا في حجيّة خبر الواحد وامّا على المختار من عدم نهوضها لاثبات ذلك فالمستند اصالة حجيّة الظنّ في الاحكام الشّرعية واصالة حجيّة قول أهل الخبرة في الموضوعات الصرفة فت ومنها ما نبّه عليه في المصابيح في المقام المذكور قائلا ومنها ما رواه القطب الراوندي في الخرايج والجرايح في الفصل الثامن من الباب الرّابع عشر عن صفوان قال كنت عند أبي عبد اللَّه ع فاتاه غلام وقال ماتت امّى فقال لم تمت قال تركتها مسجى عليها فقام أبو عبد اللَّه ع ودخل عليها فإذا هي قاعدة فقال لابنها ادخل إلى أمك فشهها من الطَّعام ما شاء فاطعمها فقال الغلام يا امّاه ما تشتهين قالت اشتهى زبيبا مطبوخا فقال له ائتها بغضارة مملوة زبيبا فأكلت منها حاجتها الحديث والتقريب في هذه الرّواية نظير ما تقدّم في صحيحة أبي بصير هذا أقصى ما يمكن ان يقال في الانتصار للقول بالحلّ ثم أجاب وامّا رواية صفوان فهي ضعيفة السّند بالارسال قاصرة الدلالة على المطلوب لما فيها من الاجمال وأقصى ما دلَّت عليه حليّة الزبيب المطبوخ وهو خلاف المدّعى إذ محلّ النّزاع عصير الزبيب دون الزبيب نفسه وأحدهما غير الاخر ولا ملازمة بينهما في الحكم وقد مضى في الزبيبة من الكلام ما يناسب المقام وقد ظهر مما ذكرنا ضعف أدلة القول بالحلّ وقصورها عن معارضة دلائل التّحريم وقد يناقش فيما نبّه عليه بقوله وقد ظهر ممّا ذكرناه ضعف أدلة القول بالحلّ بانا قد بيّنا انّ جملة من أدلة الحل ناهضة باثباته ولو من جهة العموم وضعف بعض الوجوه المتقدّمة الَّتي نبّه عليها في مقام ذكر أدلة الحل لا يقتضى ضعف الجميع وبالجملة الدّليل على الحلّ هنا الأصل والاستصحاب وعمومات الكتاب والسّنة ويعضدها أولا الشهرة بين الأصحاب وعدم ظهور قائل صريح منهم بالتّحريم صريحا بل ولا ظاهرا الَّا جماعة نبّه عليهم ولكن في اعتبار أقوالهم اشكال كما عرفت وامّا نسبته القول بالتحريم إلى قدماء الأصحاب فقد عرفت ضعفها وثانيا ساير الوجوه المتقدّم إليها الإشارة فانّها ان لم تصلح للدلالة على المدّعى فلا أقل من صلاحيتها للتاييد خصوصا بعضها كما لا يخفى نعم لم أجد نصّا يدلّ على الحل هنا بخصوصه ولكن نفى الاخصّ لا يستلزم الأعمّ وقد بيّنا ما يدلّ عليه من العمومات وقد اجمع المسلمون على اثبات الاحكام الشّرعية الفرعيّة بالعمومات من الكتاب والسّنة وإن كانت مخصّصة وامّا القول بعدم جواز العمل بالعام المخصّص في غير محلّ التخصيص فهو شاذ جدّا ومخالف لسيرة علماء الاسلام في جميع الأعصار والأمصار قطعا ومع هذا يدلّ عليه وجوه أخر مقررة في محلَّه وللآخرين وجوه أيضا منها ما تمسّك به في المصابيح قائلا لنا عموم ما دلّ على تحريم العصير إذا غلا ما لم يذهب ثلثاه من دون تقييد بالعنبي كصحيحة عبد اللَّه بن سنان عن أبي عبد الله ع قال كلّ عصير اصابته النّار فهو حرام حتّى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه وصحيحة الأخرى قال قال أبو عبد اللَّه ع انّ العصير إذا طبخ حتّى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه فهو حلال وصحيحة زرارة عن أبي جعفر ع قال إذا اخذت عصيرا فاطبخه حتّى يذهب الثّلثان وكل واشرب ح فذاك نصيب الشيطان وصحيحة زريح المحاربي قال سمعت أبا عبد اللَّه ع يقول إذا نش العصير أو غلا حرم وصحيحة حماد بن عثمان عن أبي عبد اللَّه ع قال لا يحرم العصير حتّى يغلى وروايته الأخرى عنه ع قال سألته عن شرب العصير فقال اشربه ما لم يغل فإذا غلا فلا تشربه قال قلت جعلت فداك واي شيء الغليان قال القلب ورواية محمّد بن الهيثم عن رجل عن أبي عبد اللَّه ع قال سألته عن العصير يطبخ في النّار حتّى من ساعته فيشربه صاحبه قال إذا تغيّر عن حاله وغلا فلا خير فيه حتّى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه وجه الاستدلال بهذه الاخبار انّها دلَّت بالعموم أو الاطلاق الرّاجع إليه على أن كلّ عصير غلا بالنّار أو مط فهو حرام والمعتصر من الزبيب بعد نقعه في الماء أو مرسه عصير فيجب ان يحرم بالغليان امّا الثّانية فظاهرة وامّا الأولى فلانّ العصير فعيل من العصر وهو استخراج